(
. مجدي الحمزاوى
قدم المخرج جمال
ياقوت عرضا لمسرحية الآنسة جوليا بمسرح قصر ثقافة التذوق الفني بسيدي جابر
بالأسكندرية. والنص كما هو معروف من تأليف سترندبرج( ولاداعى للإسهاب في عرض النص
ومضمونه لأنه بلا شك أصبح ضمن الإطار المعرفي لكل من يهوى المسرح) . وبالطبع أن
مسرحي مس جولي كما أسهب فيها النقاد سواء على صفحات الكتب والمجلات أو كما قالوا
في الندوة التي أعقبت عرض ياقوت؛ تستدعي الكثير من القضايا المختلفة و ومنها قضية
الصراع الطبقي أو الصراع الاجتماعي بين من يملكون كل شيء وبيم من لا يملكون شيئا
وقضية الرغبة الجسدية و و الخ .
وأنا
من الممكن أن أضيف بعدا آخر لجولي ألا وهو البعد الميتافزيقي, وهذا البعد موجود في
النص بصورة واضحة , وقد تعجب لماذا سكت عن هذا البعد النقاد أو من تناول هذا النص
من قبل ؟ وهذا البعد يتمثل في أن المقدرات موضوعة وأنه لاسبيل إلى الخروج أو
الفكاك منها دون إرادة من وضع هذا المقدور, فنحن أمام مس جولي التي تنتمي للطبقة
الأعلى ولكنها تتشوق وتتخذ طريقا للهبوط,فكانت نهايتها الموت , ماتت وهي تحمل شعار
تلك الطبقة العليا ! أما جان ذلك الخادم الذي يحلم بالرقي والوصول الى الطبقة
العليا عن طريق التسلق ولكن ينتهي به الحال للعودة لتنظيف حذاء الكونت بمجرد سماع صوته
أي أنه لا فكاك من هذا الأمر أيضا عن طريق الإرادة الفردية للإنسان مهما كانت
الوسائل, وهناك الخادمة كريستين ( لاحظ دلالة الاسم) تلك الراضية بمقدورها والتي تذهب للكنيسة بانتظام و وهي التي كما خرجت كما دخلن, بل
أنها الوحيدة التي تمتلك القدرة على الفعل , بل وأنها المنفذة للمشيئة حينما تمنع
جوليا وجان من الهرب ليواجهها المصير المحتوم المقدر سلفا.
ولكن بعيدا عن الأفكار والقضايا التي يطرحها
النص لابد أن يكون السؤال هو ماهي
القضية أو وجهة النظر التي حاول المخرج أن يركز عليها في العرض ؟ – فليس من
المعقول أو المقبول أن يركز مخرج ما على كل القضايا والأطروحات التي يحتويها و أو
من الممكن ان يحتويها نص ما – والإجابة على هذا السؤال بسيطة جدا وواضحة , فقد
وضعها المخرج جمال ياقوت في بانفلت العرض. والمفروض أن البانفلت جزء من العرض
المسرحي فقد وضع هذه المقولات والتي جاءت على لسان جان الخادم في النص/العرض
المسرحي
*من الغريب أن يتمكن لص من
أن ينسل إلى الجنة ويساكن الملائكة ولا يتمكن ابن فلاح أجير هنا على أرض الله
ذاتها أن يدخل الحديقة ويلعب مع ابنة الكونت
هذه المقولات تكشف لنا ما الذي سيؤكد عليه ياقوت في عرضه
المسرحي , فهو قد أكد على الاتساخ الذي أصاب ما يريد أن يكون جميلا وأكد أيضا على
نفسية هذا الجان وكيف ينظر إلي من يخدمهم وبالطبع قضية الصراع الاجتماعي وكيف أن
ما هو مسموح به في السماء ذاتها ممنوع أن يكون على الأرض نتيجة لتصرفات البشر!!
إذن هذه هي القضية التي وضعها ياقوت نصب عينه وبناء على هذا فإن الحديث يكون في هل نجح
ياقوت وفريق عمله في توصيل هذا المفهوم بشكل جيد أم لا ؟
في البداية نلمح الرؤية
التشكيلية التي وضعها صبحي
السيد بشكل جيد في تصوير وتصميم شكل المطبخ الذي تدور
فيه الأحداث .. ولكن صبحي السيد يضيف إضافة زمنية تأويلية بما يخدم قضية المخرج ووجهة
نظره حينما وضع زوائد في هذا الشكل الجمالي بشكل غير جميل وأيضا على دعامات ليست
بالقوية و وهذا تمثل في بعض الأرفف التي جاءت بشكل فقير للغاية فقد كانت عبارة عن
قطع من الخشب بدون ألوان ومرتكزة على حوامل بسيطة تشعرك بأنها على شك السقوط و
وطبعا إن دلالة الامتداد الزمني الموجودة تتمثل في أن هذا الامتداد أولا لا يأتي مسايرا للأصل,ثانيا يأتي على شكل
قبيح, ثالثا وهذا هو الأهم فإن هذا الامتداد لن يطول به الزمن , وجاء جمال ياقوت
ليستخدم هذه الرؤية التي وضعها صبحي استخداما جيدا حينما استخدم هذه الأرفف, فقد
وضع عليها مقومات الحياة من طعام وآنية ومياه..الخ على هذه الأرفف ووضع الخمور لا
في الدواليب المحكمة الصنع والتي تتساير مع الطراز الأصلي ز وعليكم أنتم أن تقرروا
هذه الدلالة التي وضعها ياقوت مستخدما رؤية صبحي السيد الجيدة .
أيضا ابتدأ ياقوت
عرضه بمجموعة من الخدم ترقص وتتمايل في هذا المطبخ احتفالا بليلة عيدهم ؛ ووضع
صبحي السيد نافذة في هذا المطبخ تفضي للحديقة , ومنها يستطيع المشاهد أن يرى ما
يتم في هذه الحديقة , وقد تعجب للحظة الأولى عندما ترى هؤلاء الراقصين الذين
يتصرفون بدون نظام في هذا المطبخ
حينما يخرجون إلى الحديقة يكون رقصهم منظما وأكثر جمالية ... ولكن يزول عنك العجب
حينما تدرك أن ياقوت وضع هذا النسق مع الدالة الزمنية التي وضعها حينما استخدم
الرؤية التشكيلية ؛ فكل حركة جمعية – على مدار العرض كله – تدور في رحاب المطبخ
الذي هو أقري شيء لأساسات القصر
تكون بشكل غير منتظم , مع أن هذه الحركة ذاتها حينما تتكرر في الخارج, أي
عندما تتحرر من أسر هذا المكان وتخرج للطبيعة تكون أكثر جمالا بل ومنضبطة أيضا,
وهذا أيضا له دلالته التي تؤكد أو تشير للانهيار القريب لهذا المكان والذي لابد آت
سواء عن طريق استخدام التشكيل المتمثل في الأرفف أو السلوك الإنساني الممثل في
اختلاف نوعية الحركة في المكان عن خارجه .
كما أن المخرج قد استخدم هذه النافذة ليعطي بعدا تعبيريا
؛ فعلى سبيل المثال عبر عما يدور في نفس جان عندما تحدث عن حلمه في إنشاء الفندق
الخاص به بمساعدة نقود جوليا عندما يهربان بعد ارتكاب فعلتهما معا, فصور هذا الحلم
بتجسيد هذا الفندق من خلال هذه النافذة- أي أنه قد استخدم هذه النافذة كشاشة عرض
لما يدور في عقول شخصياته – بشكل متسق ومضيف لجولي سترندبرج ,
وإذا كان البعض
يقول أن هذا النص هو عبارة عن مباراة في التمثيل و أو إن شئت الدقة هو يعتمد على
مهارات الممثلين – حتى إن كان مباراة وجاء الفوز فيها فلا يجب أن نغفل دور المدرب-
وأنا بالطبع اتفق معهم ولكن يجب ألا ننسى أن للمخرج دوره الهام في اختيار من يقوم
بأداء هذه الشخصيات , علاوة على دوره في تدريبهم أو إعطائهم طريقة الأداء التي
تتناسب مع وجهة نظره,
فقد استطاعت إيمان إمام التي
قامت بدور جولي في أن تفهم الشخصية المركبة لجولي و ولأنها ممثلة جيدة فقد استطاعت
نتيجة هذا الفهم أن تؤدى الدور بشكل رائع , وقد جاءت تنقلاتها مابين صراعاتها
الداخلية الناتجة عن اصلها في الحياة وتشتتها مابين الأب والأم , ورغبتها الجسدية
العارمة وأيضا رغبتها في السقوط , وصراعاتها الخارجية مع جان عندما جاءت المواجهة
وتكشف اللعبة التي مارسها ليسحبها للسقوط معه , وصولا للانسحاق التام في النهاية .
أما أحمد
السعيد الذي جسد دور جان فينطبق عليه نفس الكلمات
وكان لبراعته الشديدة في تجسيد مراحل الصدق ومراحل الخداع في حديثه الأثر الكبير
في وصول المدلول والشخصية بيسر شديد للمتفرج أما شيماء الدقي الرائعة التي
جسدت دور كرتين فقد أجاد ياقوت في اختيارها نظرا لهدوئها الشديد في أداء هذه
الشخصية الهادئة الواثقة , والتي أدتها بشكل جيد .
نعم كان الأداء التمثيلي رائعا بل ومن الممكن أن يكون أكثر من
ذلك , ولكن ما ساعد على إبراز هذه الروعة هو هذا الإطار وهذا التفسير الذي قام به
ياقوت . فقد كانت هارمونية العرض ممتازة جدا
وقد يخرج قائل لماذا
ألا يوجد في هذا العرض مثلبة ؟
وبالطبع هناك هذه المثالب
فلا وجود للكمال مع سعينا الدائم للوصول اليه ولكن في عرض تقديره هو الامتياز ألا
يحق لنا أن نغفل هذه المثالب قليلا
مجدي
الحمزاوى
WWW.ELHAMZAWY.JEERAN.COM